الأحدث
"يسرا ويمنى".. لماذا يسمح القانون بالتصالح في السرقة ويرفضه في التزوير؟

“يسرا ويمنى”.. لماذا يسمح القانون بالتصالح في السرقة ويرفضه في التزوير؟

 

تحولت قضية “فتاتي أسيوط” إلى واحدة من أكثر القضايا الأسرية إثارة للجدل، بعدما انتهى خلاف نفقة بين أب وطليقته إلى حكم بالحبس 3 سنوات مع الشغل والنفاذ ضد الابنتين ووالدتهما، على خلفية اتهامهن بتزوير مفردات مرتب منسوبة للأب واستخدامها أمام محكمة الأسرة لزيادة النفقة، لتفتح القضية بابًا واسعًا للنقاش حول حدود التصالح داخل الأسرة، ولماذا يقبل القانون التنازل في بعض الجرائم ويرفضه تمامًا في جرائم أخرى.

القضية بدأت داخل أروقة محكمة الأسرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى معركة جنائية وإنسانية معقدة، انقسمت خلالها الآراء بين متعاطف مع الأم والفتاتين، وآخر يرى أن الأب تعرض لظلم وتلاعب بمستندات رسمية. ومع تصاعد الجدل، برز سؤال قانوني مهم: لماذا يجيز القانون التصالح في السرقة بين الأقارب، بينما يغلق الباب تمامًا أمام التنازل في جرائم التزوير؟

الخبير القانوني الدكتور أشرف نجيب الدريني أوضح أن السرقة داخل الأسرة تختلف في فلسفتها القانونية عن التزوير، لأن السرقة تمثل اعتداءً على مال خاص يمكن احتواؤه اجتماعيًا داخل الروابط العائلية، لذلك منح المشرع في المادة 312 من قانون العقوبات حق التنازل أو وقف تنفيذ العقوبة في بعض الحالات الأسرية، حفاظًا على تماسك الأسرة ومنع تحول الخلافات المالية إلى قطيعة نهائية.

أما التزوير، فالأمر مختلف تمامًا، لأن الجريمة هنا لا تمس شخصًا بعينه فقط، بل تضرب الثقة العامة في المحررات والأدلة القضائية. فالمستند المزور حين يقدم للمحكمة يصبح جزءًا من تكوين عقيدة القاضي، وبالتالي فإن التلاعب به يُعد مساسًا مباشرًا بالحقيقة القانونية وبسلامة العدالة نفسها، وهو ما يجعل الجريمة من قضايا النظام العام التي لا يجوز التصالح فيها أو التنازل عنها.

ورغم ذلك، فإن القانون لا يغلق الباب بالكامل أمام الاعتبارات الإنسانية، إذ تظل للمحكمة سلطة استخدام الرأفة وتخفيف العقوبة إذا تبين حسن النية أو غياب القصد الجنائي الكامل، خاصة في القضايا الأسرية التي قد تختلط فيها النوايا بالخلافات الشخصية، ويبقى الفيصل النهائي في يد المحكمة التي توازن بين حماية العدالة وظروف الأسرة ومستقبل المتهمين.